قراءة في اختبار مبكر لتوزيع النفوذ في سوريا ما بعد الأسد
أبو الظهور: ضربة على المستقبل العسكري لسوريا"..
الدكتور بهاء حسن حلال
التطور المتعلق بقاعدة او مطار أبو الظهور باعتباره أكثر من غارة إسرائيلية على منشأة عسكرية سورية. نحن أمام اختبار مبكر لتوزيع النفوذ في سوريا ما بعد النظام السوري السابق برئاسة الأسد، وفي قلبه سؤال أكبر:
هل ستكون سوريا دولة تستعيد تدريجياً احتكارها للقرار العسكري، أم فضاءً تتقاطع فيه مناطق النفوذ الإسرائيلية والتركية والأميركية؟
المعطيات المتاحة حتى 19 آب/أغسطس 2026 مهمة جداً: إسرائيل أكدت استهداف القاعدة، وقالت إن السبب هو احتمال نشر قوات تركية فيها، فيما أدانت أنقرة الضربة ووصفت المبررات الإسرائيلية بأنها غير مقبولة.
والأهم أن واشنطن تحاول الآن إنشاء آلية منع احتكاك ثلاثية بين إسرائيل وتركيا وسوريا بعد أن اقترب الحادث، وفق المبعوث الأميركي توم باراك، من احتمال مواجهة تركية-إسرائيلية مباشرة.
أولاً: قاعدة أبو الظهور — لماذا أصبحت نقطة اشتعال؟
المفارقة الاستراتيجية أن أبو الظهور ليست في الجنوب السوري ولا على تماس مباشر مع إسرائيل؛ وهي تقع في شمال غرب سوريا، على مسافة تقارب 70 كيلومتراً من الحدود التركية وفق التقارير وقد كانت القاعدة غير عاملة منذ سنوات طويلة، ولذلك فإن قيمتها الحالية لا تكمن فقط في وضعها العملياتي، بل في ما يمكن أن تتحول إليه وهنا تكمن النقطة الأساسية.
إسرائيل لم تضرب بالضرورة تهديداً عسكرياً قائماً بقدر ما ضربت احتمالاً استراتيجياً مستقبلياً وهذا فرق جوهري.
وفق المنطق الإسرائيلي، إذا تحولت القاعدة إلى موقع لتدريب أو تمركز تركي، فإن ذلك قد يسمح لتركيا ببناء بنية عسكرية سورية مدعومة تركياً، وربما في المستقبل شبكة دفاع جوي أو قدرة جوية سورية أكثر استقلالاً.
إسرائيل سبق أن اعتبرت وجود قواعد تركية في سوريا خطاً أحمر، وكانت قد دخلت في 2025 في محادثات مع تركيا لإنشاء آلية منع احتكاك بعد تصاعد التوتر حول القواعد السورية.
هنا تظهر نظرية «الأمن الوقائي»
يمكن تفسير السلوك الإسرائيلي من خلال مفهوم الضربة الوقائية Preventive Strike وليس فقط الضربة الاستباقية Preemptive Strike ،”الاستباقية: تضرب لأن الخطر أصبح وشيكاً.” اما “الوقائية: تضرب لأنك ترى أن الخصم قد يمتلك مستقبلاً قدرة تجعل ميزان القوى أقل ملاءمة لك وبالتالي، فإن إسرائيل تقول عملياً:«لن أنتظر حتى تصبح القاعدة تركية فعلياً؛ سأمنع نشوء القدرة قبل اكتمالها»،لكن هنا يبدأ الجانب السياسي من المسألة.
إذا لم يكن هناك انتشار تركي عسكري دائم ومؤكد، فإن إسرائيل تكون قد وسعت تعريف التهديد من «قوة معادية موجودة» إلى «قدرة محتملة قد تنشأ»وهذا يفتح الباب أمام معادلة خطيرة جداً:كل منشأة سورية يمكن إعادة تأهيلها عسكرياً تصبح قابلة للاستهداف بناءً على هوية الشريك الخارجي الذي قد يستخدمها مستقبلاً وهذا، في رأيي، هو البعد الأخطر للضربة.
المحور الثاني: إسرائيل وتركيا : صدام نفوذ أم مواجهة مصالح؟
أرى أن توصيف العلاقة بأنها صدام إسرائيلي- تركي مباشر لا يزال مبكراً ،الأدق هو أنها مواجهة بين مشروعين لإدارة سوريا ،المشروع التركي يريد ان تكون سوريا: موحدة اقليميا ودولة تملك جيش مركزي مرتبطة أمنياً واقتصادياً بأنقرة وان لا تكون خاضعة لغير نفوذها وان تكون لكل السوريين وغير مقسمة بين الطوائف ، وتستطيع أنقرة أن تلعب دوراً مركزياً في إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وهذا ليس استنتاجاً نظرياً فقط؛ فقد أعلنت أنقرة ودمشق في آب الحالي تعزيز التعاون الدفاعي ومكافحة الإرهاب، كما أن تركيا تقدم دعماً عسكرياً وتدريبياً للسلطات السورية الجديدة.
أما إسرائيل فهي تريد سوريا ضعيفة عسكرياً، غير مستقرة ، وغير موحدة حيث يجب برأيها أن تنتشر الاثنيات، ومن دون قدرة عسكرية يمكن أن تشكل تهديداً مستقبلياً لإسرائيل.
وهنا يحدث التعارض تركيا تريد إعادة بناء الدولة السورية على شاكلة ما تريد وإسرائيل تريد إعادة بناء الدولة السورية ضمن سقف عسكري وأمني محدد يخدم مصالحها النورانية والاستراتيجية ومن هنا فإن الخلاف ليس حول «هل تكون سوريا قوية؟» فقط، بل: من يحدد سقف القوة السورية؟وهذا هو السؤال الاستراتيجي الحقيقي ،فمن منظور نظرية الواقعية الهجومية إذا استخدمنا منطق *المفكر السياسي جون ميرشايمر* والواقعية الهجومية، فإن الدول لا تكتفي بتجنب التهديد الحالي؛ بل تسعى إلى منع ظهور قوة إقليمية يمكن أن تغير ميزان القوى ضدها وهذا يفسر القلق الإسرائيلي من تركيا فتركيا ليست إيران.
إيران كانت بالنسبة لإسرائيل عدوا إقليمياً مع شبكة حلفاءأما تركيا فهي دولة إقليمية كبرى، عضو في الناتو، لديها جيش كبير وقاعدة صناعية عسكرية متقدمة، وعمق جغرافي واقتصادي وسياسي.
لذلك فإن نشوء وجود عسكري تركي منظم داخل سوريا يختلف جذرياً عن وجود ، اي دولة أخرى لارتباط الجغرافية بالسياسة اليوم، إنه يعني دخول دولة إقليمية ثقيلة الوزن إلى المسرح السوري ،وهنا يصبح القلق الإسرائيلي أكثر مفهوماً من الناحية الاستراتيجية، وإن لم يكن ذلك بالضرورة كافياً لتبرير عسكري وقانوني لضرب الأراضي السورية.
ولكن هل تريد إسرائيل ردع تركيا فقط؟لا تريد اسرائيل ردع تركيا بالمطلق لكنه أحد الأهداف الاسرائيلية، لكنه ليس الهدف الوحيد ،هناك ثلاثة أهداف متداخلة:
1. ردع أنقرة
الرسالة:
لا تقومي بانشاء بنية عسكرية سورية يمكن أن تحد من حرية إسرائيل الجوية ،وهذه الرسالة سبق أن ظهرت بوضوح في الموقف الإسرائيلي من احتمال إنشاء قواعد تركية في سوريا.
2. ردع دمشق
الرسالة الأهم ربما:
لا تريد اسرائيل ان تتمكن الدولة السورية من اتخاذ قرارات عسكرية استراتيجية مع تركيا من دون أخذ الأمن الإسرائيلي في الاعتبار ،وهنا تصبح الضربة محاولة لترسيخ حق إسرائيلي فعلي في الاعتراض على بعض خيارات دمشق العسكرية.
3. إعادة تعريف المجال الأمني السوري
وهذه أخطر نقطة إذا قبل المجتمع الدولي وأميركا ودمشق بها، عملياً أن إسرائيل تستطيع ضرب قاعدة سورية لأنها قد تستضيف قوات تركية، فإننا نكون أمام انتقال من:السيادة السورية الكاملة إلى سيادة سورية مشروطة بالترتيبات الأمنية الإسرائيلية ،وهذا بالضبط ما يجعل القضية أكبر من أبو الظهور.
المحور الثالث: واشنطن : احتواء أم إعادة رسم قواعد الاشتباك؟*
هنا أرى أن الدور الأميركي هو الفاعل الأكثر حساسية ،واشنطن لم تتبنَّ الموقف الإسرائيلي بالكامل؛ بل وصف المبعوث الأميركي الضربة بأنها تصعيد غير ضروري، بينما بدأت الولايات المتحدة العمل على إنشاء آلية رسمية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
وهذا يعني أن واشنطن تواجه معضلة ثلاثية:-إسرائيل حليف استراتيجي-تركيا حليف في الناتو -وسوريا دولة تريد واشنطن منع انهيارها مجدداً ،لذلك لا تستطيع الولايات المتحدة السماح بتحول التنافس الإسرائيلي-التركي إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
لكنني لا أعتقد أن آلية منع الاحتكاك مجرد إجراء تقني إنها يمكن أن تكون بداية هندسة أمنية جديدة في سوريا.
فماذا يعني ذلك؟ يعني انه قد تنتقل سوريا تدريجياً من حالة: «كل قوة تتحرك وفق تقديرها الخاص»إلى حالة: «كل حركة عسكرية كبيرة يجب أن تمر عبر قنوات تنسيق ومنع احتكاك»وهذا يشبه من الناحية النظرية مفهوم إدارة التنافس وليس حل التنافس أي أن واشنطن لا تحاول بالضرورة إنهاء الخلاف التركي-الإسرائيلي، وإنما تمنع الخلاف من التحول إلى حرب وهذا فرق مهم.
المحور الرابع: سوريا بين السيادة وتعدد القوى
“هنا أصل القضية” السؤال ليس:هل يحق لتركيا أن تكون موجودة؟ولا يحق لإسرائيل أن تشعر بالقلق؟”السؤال الأعمق: من يمتلك القرار النهائي في الأمن السوري؟
إذا كانت دمشق هي صاحبة القرار، فيجب أن تكون قادرة على إعادة بناء جيشها، وإبرام اتفاقات دفاعية، وتطوير قواعدها، واستقدام التدريب العسكري، ضمن القانون الدولي، من دون أن تتحول تلك القرارات إلى مبرر تلقائي للضرب الإسرائيلي.
وفي المقابل، إذا أصبح الأمن الإسرائيلي هو المحدد النهائي لما تستطيع دمشق فعله، فإن ذلك يعني عملياً أن السيادة السورية أصبحت مقيدة بميزان القوى الإقليمي وهذا ما يجب أن تنتبه إليه دمشق.
وهنا يظهر ما حدده المفكر الصيني صن تزو ،يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي وفق فكرة صن تزو الأساسية حول إحباط قدرة العدو قبل أن تتحول إلى قوة فعلية ،إسرائيل لا تريد أن تنتظر اكتمال البنية العسكرية السورية-التركية إنها تريد أن تقول لأنقرة ودمشق:«أنا أرى شكل القوة التي تحاولان بناءها قبل أن تكتمل، وسأتعامل معها في مرحلة التكوين»هذه استراتيجية إدارة البيئة قبل تشكل التهديد لكن لها نقطة ضعف:كلما توسعت إسرائيل في تعريف ما تعتبره تهديداً، زادت احتمالات تحول الردع إلى تراكم احتكاكات.
وصن تزو نفسه يفضل تحقيق الهدف بأقل كلفة ممكنة؛ وإذا أصبحت الضربات الإسرائيلية تدفع تركيا إلى بناء منظومة عسكرية أكبر في سوريا بدلاً من ردعها، فإن الاستراتيجية تكون قد أنتجت النتيجة العكسية.
والمفكر السياسي والعسكري كلاوزفيتز يقدم لنا قراءة أخرى “كلاوزفيتز يميز بين الوسيلة العسكرية والغاية السياسية”الضربة الجوية بحد ذاتها ليست استراتيجية.
السؤال:ما الغاية السياسية التي تريد إسرائيل إنتاجها من خلالها؟إذا كانت الغاية:منع قاعدة تركية محددة،فقد تنجح الضربة أما إذا كانت الغاية:منع تركيا من لعب دور مركزي في سوريا،فهذا شيء مختلف تماماً.لأن تركيا ليست منشأة يمكن تدميرها.تركيا دولة إقليمية كبرى.وبالتالي فإن ضرب قاعدة سورية قد يردع مشروعاً محدداً، لكنه لن يزيل المصلحة التركية في سوريا.بل قد يؤدي إلى العكس: انتقال أنقرة من سياسة النفوذ الهادئ إلى سياسة أكثر صلابة في مواجهة إسرائيل.
الخلاصة الاستراتيجية
أرى أن حادثة أبو الظهور تمثل مرحلة انتقالية في الصراع على سوريا. لم تعد المعادلة:إسرائيل ــ إيران ــ سوريا. بل أصبحت تدريجياً:إسرائيل ــ تركيا ــ سوريا ــ الولايات المتحدة.وهذا تحول استراتيجي بالغ الأهمية.إسرائيل تريد أن تمنع نشوء سوريا عسكرية ذات عمق تركي.تركيا تريد منع تحول سوريا إلى دولة أمنية مقيدة بالفيتو الإسرائيلي.دمشق تريد استعادة السيادة والجيش والقرار المركزي.واشنطن تريد منع هذه المصالح الأربعة من الاصطدام المباشر.ولهذا فإن آلية منع الاحتكاك التي تدفع بها واشنطن قد تكون أهم من الغارة نفسها؛ لأنها يمكن أن تصبح نواة لنظام إدارة عسكري جديد في سوريا.
والسيناريوهات الثلاثة أمامنا:
السيناريو الأول — الاحتواء:
تُنشئ واشنطن قناة اتصال تركية-إسرائيلية-سورية، تتفق على مناطق الانتشار والقواعد، وتنخفض الضربات. وهذا هو السيناريو الأكثر عقلانية لجميع الأطراف.
السيناريو الثاني — الردع المتبادل:
تستمر إسرائيل في ضرب البنى التي تعتبرها مرتبطة بتركيا، بينما تزيد أنقرة وجودها العسكري لحماية دمشق. هنا تتحول سوريا إلى ساحة تنافس ردعي تركي-إسرائيلي.
السيناريو الثالث — إعادة تشكيل سوريا:
تُستغل الأزمة لفرض ترتيبات أمنية جديدة تحدد مسبقاً أين تستطيع تركيا الانتشار، وأين تستطيع دمشق بناء قواتها، وما الذي تعتبره إسرائيل تهديداً. وهذا أخطر السيناريوهات على مفهوم السيادة السورية.
أما تقديري الشخصي، فالمؤشرات الحالية ترجح أن إسرائيل لا تريد حرباً مع تركيا الآن، لكنها تريد تثبيت قاعدة استراتيجية مفادها أن إعادة بناء القوة العسكرية السورية لن تتم بمعزل عن المصالح الأمنية الإسرائيلية. وفي المقابل، فإن تركيا تبدو أمام خيار صعب: إما قبول سقف إسرائيلي للحضور التركي، أو تحويل وجودها في سوريا إلى مشروع نفوذ عسكري وسياسي أكثر وضوحاً. والولايات المتحدة تحاول أن تمنع وصول الطرفين إلى النقطة التي يصبح فيها الاحتكاك غير المقصود حرباً مقصودة.
وهنا تكمن أهمية أبو الظهور: الهدف الحقيقي للضربة قد لا يكون القاعدة نفسها، بل منع ولادة معادلة عسكرية سورية جديدة يكون لتركيا فيها موطئ قدم مؤثر. وهذا يجعلها، استراتيجياً، ضربةً على المستقبل العسكري لسوريا أكثر مما هي ضربة على منشأة عسكرية سورية في الحاضر.



