مقالات

مفاوضات روما.. الجولة السابعة على حافة الهاوية

د.العميد بهاء حلّال

مع انطلاق الجولة السابعة من المفاوضات في العاصمة الإيطالية، بدت الأجواء مختلفة هذه المرة، فقد انزلق النقاش من فضاء المبادئ العامة إلى متاهة التفاصيل التنفيذية، حيث بات الخلاف يدور حول جوهر الترتيبات وليس مجرد عناوين عريضة. فما كان يُطرح في الجولات السابقة كنقاشات سياسية نظرية، تحول اليوم إلى اختبار عملي يرتبط مباشرة بما يجري على الأرض من تحركات عسكرية وإنسانية.

 

في قاعات التفاوض الرومانية، تبلور مشهد التباعد بين الرؤيتين اللبنانية والإسرائيلية بوضوح، إذ تبنت بيروت معادلة تقوم على وقف كامل لإطلاق النار، يليه انسحاب إسرائيلي وفق جدول زمني محدد، ثم انتشار للجيش اللبناني وتثبيت للحدود وعودة للنازحين ومسار لإعادة الإعمار. في المقابل، راحت تل أبيب تطرح ترتيباً مختلفاً يبدأ بضمانات أمنية طويلة الأمد، واستمرار حرية العمل العسكري عند الحاجة، مع ربط أي انسحاب بتقييم الوضع الأمني وسلاح حزب الله، قبل التفكير في توسيع المناطق التجريبية تدريجياً. إنها فلسفتان متضاربتان، تتعاملان مع نقطة البداية من زاويتين مختلفتين تماماً.

 

ما يجعل الجولة السابعة أكثر تعقيداً من سابقاتها، أنها الأولى التي تضع الاتفاق الإطاري في مواجهة الميدان. ففي السابق كان النقاش سياسياً بامتياز، أما اليوم فكل بنود الاتفاق أصبحت مرتبطة بأسئلة وجودية: هل ينسحب الجيش الإسرائيلي فعلاً؟ هل يستطيع الجيش اللبناني الانتشار في المناطق المحررة؟ هل يعود المدنيون بأمان إلى قراهم؟ هل تتوقف العمليات العسكرية بشكل نهائي؟ وهل تنجح المنطقة التجريبية كنموذج يُحتذى به؟ كل إخفاق ميداني في أي من هذه النقاط يعني انعكاساً فورياً على المشهد التفاوضي، والعكس صحيح.

 

وسط هذا المشهد المتشابك، ثمّة عوامل تدفع الوسطاء للاستمرار في رعاية المسار، وفي مقدمتها الرعاية الأميركية المباشرة للمفاوضات، ورغبة واشنطن الواضحة في تحقيق إنجاز دبلوماسي على الساحة اللبنانية، إلى جانب إدراك الطرفين أن العودة إلى حرب واسعة ستكون مكلفة للجميع، واستمرار قنوات الاتصال دون انهيار، فضلاً عن المصالح الدولية في تثبيت الهدوء جنوب الليطاني. لكن في المقابل، تتربص عقبات كبيرة بالمسار، أبرزها استمرار العمليات العسكرية والخروقات الميدانية، وغياب جدول زمني ملزم للانسحاب، والخلاف العميق حول آلية التحقق والضمانات، والربط الإسرائيلي المستمر بين الانسحاب وتقييمه للواقع الأمني، ناهيك عن انعدام الثقة المتبادل واختلاف تعريف “النجاح” بين الطرفين.

 

وفي قراءة للسيناريوهات المحتملة، تبدو صورة “النجاح المحدود” الأكثر ترجيحاً بنسبة خمسة وخمسين بالمئة، حيث يتم الاتفاق على منطقة تجريبية جديدة مع تقدم تقني واستمرار الاجتماعات، لكن دون تحقيق اختراق سياسي شامل، وهو ما يحافظ على المسار التفاوضي من دون حسم. أما سيناريو الجمود التفاوضي فيحظى بنسبة ثلاثين بالمئة، حيث تنتهي الجولة ببيانات إيجابية شكلية لكن من دون تنفيذ عملي، فتستمر الاجتماعات مع تباطؤ واضح. ويبقى سيناريو الفشل السياسي الواضح الأقل احتمالاً بنسبة خمسة عشر بالمئة، لكنه يبقى وارداً إذا وقع تصعيد ميداني كبير أو رفض أحد الطرفين تقديم أي تنازل، ما قد يؤدي إلى تجميد المسار مؤقتاً.

 

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل فشل هذه الجولة يعني فشل المفاوضات كلها؟ الجواب من منظور المتخصصين في الشؤون الدولية، أن الجولة الواحدة قد تفشل بينما يستمر المسار العام، خاصة أن هذه الجولات غالباً ما تستخدم لاختبار المواقف وبناء تفاهمات تدريجية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في تكرار الجولات من دون أي تنفيذ ميداني، عندها تتحول المفاوضات إلى مجرد وسيلة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، وهو ما سيفرغ المسار من مضمونه تدريجياً.

 

من منظور استراتيجي، لا يُتوقع أن تنتج الجولة السابعة اتفاقاً نهائياً، لكنها قد ترسم اتجاه المرحلة المقبلة. فإن خرجت بنتيجة عملية ولو كانت محدودة، كتوسيع منطقة الانتشار أو تثبيت آلية تنفيذ جديدة، فإن ذلك سيبقي باب التفاوض مفتوحاً ويمنح الوسطاء زخماً إضافياً. أما إذا انتهت دون أي تقدم ملموس، مع استمرار الخلاف حول وقف إطلاق النار والانسحاب والضمانات، فإن الثقة بالمسار ستتراجع، وستصبح كل جولة لاحقة أكثر صعوبة، لأن الفجوة بين الأهداف اللبنانية والإسرائيلية ستظهر على أنها بنيوية وليست مجرد خلاف على تفاصيل تقنية.

 

وفي نظرة أوسع إلى المشهد الجيواستراتيجي، يظل مستقبل هذه المفاوضات معلقاً بخيوط لا تمتد إلى روما وحدها، بل تتشابك مع مسار العلاقات الأميركية الإيرانية، والتطورات المتلاحقة في غزة وسوريا، ومدى استعداد الولايات المتحدة لممارسة ضغط فعلي على الطرفين لدفع تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها. ففي لعبة الشرق الأوسط المعقدة، لا شيء يُحسم في قاعة تفاوض واحدة، وكل جولة هي مجرد حلقة في سلسلة طويلة من التوازنات الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى