علي الطاهر: بين القيمة التكتيكية والطموح الاستراتيجي
د.بهاء حلال
في خضمّ المشهد الميداني المتقلّب الذي تشهده الحدود الجنوبية للبنان، يبرز اسم “علي الطاهر” وكأنّه محورٌ أساسي في معادلة الصراع الدائر ، غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاحٍ لا يتعلّق فقط بطبيعة هذا الموقع الجغرافي، بل بكيفية قراءة التضخيم الإعلامي والسياسي الذي أحاط به من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدوائر الغربية، فهذه القراءة المتعمّدة للموقع، وكأنّه مفتاحٌ استراتيجيٌّ للحرب، تستدعي وقفةً متأنّيةً للتمييز بين قيمته العملياتية الفعلية، وبين القيمة التي يحاول صنّاع القرار والسياسات إسقاطها عليه.
لماذا علي الطاهر تحديداً؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال ليست بالبساطة التي قد تبدو عليها، فهي تتشعّب في أكثر من اتجاه، وتكشف عن أبعادٍ مختلفة للمسألة.
أوّلاً، لا يمكن إنكار أنّ علي الطاهر يشكّل موقعاً ذا قيمة تكتيكية حقيقية لا يُستهان بها. فهو يرتفع ليمنح من يسيطر عليه قدرةً على مراقبة قطاعاتٍ واسعةٍ من الأرض، لا سيّما باتجاه النبطية والطرقات الحيوية والمحاور الممتدة جنوباً وشرقاً. وبالتالي، فإنّ أهميّته العسكرية في هذا السياق تبدو واضحةً ومبرّرة من الناحية العملياتية، لكنّ السيطرة عليه، مهما كانت مهمّة، لا تعني بذاتها السيطرة على الجنوب بأكمله، ولا هي كفيلة بتحقيق حسمٍ استراتيجيٍّ في مواجهة لبنان أو حزب الله، وهنا تكمن نقطة التحوّل الخطيرة، حيث تبدأ عمليّة التضخيم التي تحوّل هذا الإنجاز التكتيكي، في أيدي بعض المحلّلين والسياسيين، إلى ما يشبه التحوّل الاستراتيجي المزعوم.
ثانياً، ثمّة حاجة ماسّة لدى الأطراف الإسرائيلية إلى “إنجازٍ عسكريٍّ قابلٍ للتسويق”، خصوصاً في ظلّ النتائج الميدانية التي قد لا تسمح بإعلان تغييرٍ استراتيجيٍّ كبيرٍ في مسار الحرب، هنا، تصبح السيطرة على مرتفعٍ ذي قيمةٍ عسكريةٍ نسبيةٍ مادةً خصبةً لصناعة روايةٍ جديدة: “لقد غيّرنا قواعد السيطرة الميدانية”،وهذه الرواية تخدم المستوى السياسي الإسرائيلي في الداخل، وتمنح المؤسسة العسكرية عنواناً واضحاً للنجاح يمكن عرضه أمام الجمهور الإسرائيلي والحلفاء الغربيين، وكأنّه نقطة تحوّل في سير المعارك، بمعنى آخر، قد لا يكون علي الطاهر بالضرورة الإنجاز الأكبر على الأرض، لكنّه بلا شكّ الإنجاز الأكثر قابليةً للتحويل إلى قصة سياسية مؤثّرة.
ثالثاً، وهنا يكمن جوهر المسألة، ثمة محاولةٌ لتحويل الجغرافيا ذاتها إلى “حجّة تفاوضية” في المستقبل، إذا استطاعت إسرائيل أن تروّج لفكرة أنّ وجودها في هذه المرتفعات أصبح ضرورةً أمنيةً ملحّةً بسبب طبيعة التهديدات القائمة، فإنّها تنتقل من موقع الدفاع عن احتلالٍ أو وجودٍ عسكريٍّ مؤقّت، إلى الدفاع عن ترتيبٍ أمنيٍّ دائمٍ أو شبه دائم، وهذا الفارق استراتيجيٌّ بامتياز. فالهدف هنا ليس علي الطاهر بحدّ ذاته، بل تحويله إلى ضرورة أمنية تبرّر خلق منطقة أمنية تغيّر الواقع الميداني، أو تصبح ورقةً تفاوضيةً قويّةً في يد الإسرائيليين، وهكذا، يصبح المرتفع جزءاً من هندسة الوقائع الجديدة التي تُفرض قبل الدخول في أيّ مفاوضات جدّية.
الدور الأميركي والغربي: توظيف الرواية لأغراض أمنية
لا يمكن فصل السؤال عن علي الطاهر عن الدور الذي تلعبه واشنطن والدول الغربية في تبنّي هذه الرواية وتسويقها. فقبول المجتمع الدولي بتغيير خطوط السيطرة بالقوة يحتاج إلى مبرّرٍ أمنيٍّ مقنع. فإذا جرى تقديم المسألة على أنّها مجرّد رغبة إسرائيلية في الاحتفاظ بأرضٍ لبناء منطقةٍ عازلة، فإنّ ذلك يبدو روايةً سياسيةً وقانونيةً صعبةً، بل شبه مستحيلةٍ في السياق الدولي الحالي، أمّا إذا تحوّلت الصورة إلى: “إسرائيل تحتاج إلى مواقع مرتفعة محددة لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية المعادية وتهديد مستوطناتها”، فإنّ المطلب يتحوّل إلى حاجةٍ أمنيةٍ قابلةٍ للنقاش والتفاوض، بل يمكن حتى تفهمها بعض الأطراف الدولية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأنّ المسألة تنتقل من السؤال الجوهريّ: “هل يحقّ لإسرائيل البقاء في هذه الأراضي؟”، إلى سؤالٍ آخر أخطر: “ما مقدار الأراضي التي تحتاجها إسرائيل كي تشعر بالأمان؟”،وهذا السؤال الثاني يمثّل منزلقاً تفاوضياً خطيراً؛ إذ إنّه يجعل الاحتلال نفسه نقطة انطلاقٍ للتفاوض، وليس مسألةً محسومةً بإنهائه ،وهكذا، تصبح الجغرافيا أداةً دبلوماسيةً بامتياز، تُستخدم لإعادة تشكيل الحدود والنفوذ بما يخدم أجنداتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ بعيدة المدى.
التلاقي بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي
إنّ ما يثير الانتباه حقّاً هو التلاقي العجيب بين مصالح المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمستوى السياسي في هدف واحد، وإن اختلفت دوافع كلّ طرف. فالجيش الإسرائيلي، من جهته، يسعى إلى تحقيق عمقٍ تكتيكيٍّ يضمن له نقاط مراقبةٍ مرتفعةً وحرية حركةٍ كافية، مع منع إعادة تموضع القوات المعادية قرب الحدود، وتحسين شروط أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
أمّا المستوى السياسي، فيطمح إلى إنجازٍ يمكن تسويقه داخلياً، ورقة ضغطٍ على لبنان، وتحسين شروط التفاوض، وتبرير استمرار العمليات العسكرية، وخلق واقعٍ ميدانيٍّ يجعل الانسحاب الإسرائيلي الكامل أكثر صعوبةً وتعقيداً، وأمّا الولايات المتحدة، فإذا تبنّت هذه المقاربة، فإنّ وظيفتها تصبح تحويل الواقع العسكري القائم إلى صيغةٍ أمنيةٍ قابلةٍ للترجمة الدبلوماسية، بما يضمن استمرار النفوذ والشرعية الدولية للترتيبات الجديدة.
لكن، ثمّة نقطةٌ أخطر يجب التوقّف عندها مليّاً. فالخطأ الاستراتيجي الكبير قد لا يكون في التعامل مع علي الطاهر بوصفه هدفاً نهائياً، بل في عدم إدراك أنّ الهدف الحقيقي قد يكون إنشاء سلسلةٍ من النقاط المسيطرة التي تربط الجغرافيا العسكرية بالترتيبات السياسية، أي أن السؤال الأهمّ ليس: “لماذا يريدون علي الطاهر؟”، بل: “ماذا يصبح علي الطاهر إذا أُضيف إلى مجموعةٍ من المرتفعات والمحاور والطرق والمناطق العازلة؟”. هنا تتحوّل النقاط المنفردة إلى نظامٍ جغرافيٍّ أمنيٍّ متكامل، وهذا هو جوهر ما ينبغي مراقبته عن كثب.
الخلاصة
إنّ تضخيم قيمة علي الطاهر لا يمكن فهمه بمعزل عن الأهداف المتشابكة التي يخدمها في آنٍ واحد، فهو من جهةٍ عسكريةٍ يسعى إلى تثبيت موقعٍ مسيطرٍ وتحسين قدرات المراقبة والردع بما يعزّز التفوق الميداني المؤقت، ومن جهةٍ سياسيةٍ يهدف إلى إنتاج صورة “إنجاز” تبرّر استمرار الضغط والعمليات العسكرية وتُلهي الرأي العام الداخلي عن الإخفاقات أو التعقيدات الأخرى، بينما يتّجه البعد التفاوضي به إلى تحويل السيطرة الميدانية إلى ورقةٍ للمطالبة بترتيبٍ أمنيٍّ يتجاوز مجرّد الانسحاب ليُصبح جزءاً من معادلةٍ جديدةٍ للقوّة والنفوذ، غير أنّ الأخطر في كلّ ذلك هو أن يتحوّل الواقع الذي فُرض بالقوة إلى “حقيقةٍ أمنيةٍ” يُسلم بها الجميع ثمّ إلى “شرطٍ تفاوضيٍ” يُفرض على الطرف الآخر، وهذه النقطة تحديداً هي التي تستحقّ أن تُدرس بعمقٍ في سياق علي الطاهر والخط الأصفر ومفهوم الـPilot Zone، لأنّ الربط بينها جميعاً قد يكشف أن القضية ليست مرتفعاً واحداً بل إعادة تشكيل تدريجيةٍ ومنهجيةٍ للجغرافيا الأمنية في الجنوب قبل تثبيت أيّ تسويةٍ سياسيةٍ مستقبلية، وهكذا تتحوّل الجغرافيا من مجرّد أرضٍ متنازعٍ عليها إلى أداةٍ لإعادة كتابة قواعد اللعبة برمّتها.



