يهودا كاتس.. لغز السلطان يعقوب الذي أعاد فتح الملف الاستخباراتي اللبناني ـ السوري
العميد الركن بهاء حسن حلال
بعد أكثر من أربعة عقود على معركة السلطان يعقوب، لم يعد ملف الجنود الإسرائيليين المفقودين فيها مجرد قضية إنسانية أو عسكرية قديمة، بل تحول إلى واحد من أطول الملفات الاستخباراتية التي بقيت مفتوحة في تاريخ الجيش الإسرائيلي. فكل معلومة جديدة تظهر حول مصير هؤلاء الجنود تعيد طرح السؤال الأوسع: أين انتهت جثامين من سقطوا في تلك المعركة، ومن امتلكها، وكيف جرى نقلها بين لبنان وسوريا، ولماذا بقيت بعض الإجابات غائبة كل هذه السنوات؟
في هذا السياق، برز اسم يهودا كاتس باعتباره الحلقة الأخيرة في سلسلة الألغاز التي بدأت ليلة السلطان يعقوب عام 1982، بعدما تمكنت إسرائيل من استعادة رفات زكريا باومل عام 2019، ثم رفات تسفي فلدمان في أيار 2025. وبذلك أصبح كاتس آخر الأسماء الثلاثة التي ظلت لعقود مرتبطة بمصير مجهول.
لكن أهمية الملف لا تكمن فقط في العثور على رفات جندي مفقود. فإذا ثبت أن رفات كاتس عُثر عليها في منطقة مختلفة عن المسار الذي ركزت عليه إسرائيل خلال سنوات البحث، فإن ذلك قد يفتح نافذة استخباراتية جديدة على الطريقة التي جرى بها التعامل مع جثامين قتلى المعركة، وعلى الجهات التي تولت نقلها وإخفاء آثارها.
من هو يهودا كاتس؟
وُلد يهودا كاتس في 18 تموز 1959 في رمات غان، لوالديه يوسف وسارة كاتس، وهما من الناجين من المحرقة ،التحق كاتس بمسار «هسدير» الذي يجمع بين الدراسة الدينية والخدمة العسكرية، ودرس في يشيفا «كيرم بيافنه»، قبل أن يخدم مقاتلاً في سلاح المدرعات الإسرائيلي.
وكان كاتس قد أُرسل إلى الجبهة اللبنانية قبل نحو عشرة أيام فقط من الموعد المقرر لتسريحه من الخدمة العسكرية، عندما وجد نفسه في واحدة من أكثر المعارك تعقيداً التي خاضتها القوات الإسرائيلية خلال اجتياح لبنان عام 1982.
ومنذ اختفائه، لم تتعامل عائلته مع رواية مقتله باعتبارها حقيقة نهائية. فقد ظلت شقيقته فرحيا هايمان، على مدى سنوات طويلة، متمسكة باحتمال أن يكون شقيقها قد أُسر حياً، مستندة إلى شهادات ومعلومات قديمة رأت أنها لم تُحسم بصورة قاطعة.
وحتى بعد استعادة رفات تسفي فلدمان في عام 2025، لم تتخل العائلة عن هذا الاحتمال بصورة فورية، قبل أن تعود التحقيقات الإسرائيلية إلى البحث في كل الفرضيات المتاحة.
السلطان يعقوب.. المعركة التي صنعت لغزاً استخباراتياً عمره 44 عاماً
في ليلة 10 ـ 11 حزيران 1982، دخلت قوة مدرعة إسرائيلية منطقة السلطان يعقوب في البقاع الغربي، في واحدة من أكثر المواجهات دموية خلال الأيام الأولى للاجتياح الإسرائيلي للبنان، الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم «عملية سلامة الجليل».
كانت القوة الإسرائيلية تتحرك في بيئة عملياتية معقدة، بينما كانت القوات السورية منتشرة بكثافة في المنطقة، وما لبثت القوة المدرعة أن تعرضت لنيران كثيفة، الأمر الذي دفعها إلى الانسحاب تحت غطاء مدفعي، تاركة خلفها عدداً من الدبابات والآليات.
قُتل خلال المعركة 20 جندياً إسرائيلياً وأصيب العشرات، فيما أُعلن فقدان ستة جنود، ومع مرور السنوات، بدأ مصير هؤلاء يتكشف بصورة تدريجية. أُعيد جثمان زوهار ليفشيتس، فيما عاد أرييل ليبرمان من الأسر السوري، بينما أُعيد حزي شاي ضمن صفقة تبادل أسرى مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة.
أما الأسماء الثلاثة التي بقيت عالقة في الذاكرة الإسرائيلية فكانت: زكريا باومل، تسفي فلدمان، ويهودا كاتس ،وهنا بدأ أحد أطول فصول البحث الاستخباراتي الإسرائيلي في المنطقة.
باومل.. أول اختراق بعد 37 عاماً
في نيسان 2019، أعلنت إسرائيل استعادة رفات زكريا باومل بعد 37 عاماً على فقدانه ،كانت العملية بمثابة اختراق كبير في ملف السلطان يعقوب، ليس فقط بسبب استعادة الرفات، بل لأنها عززت فرضية إسرائيلية أساسية مفادها أن جزءاً من جثامين المعركة لم يبقَ في مكان سقوطه، وإنما انتقل لاحقاً من لبنان إلى الأراضي السورية.
وبحسب التحقيقات الإسرائيلية، فإن بعض جثامين قتلى السلطان يعقوب دُفنت في البداية في قبور مؤقتة داخل لبنان، ثم نُقلت لاحقاً إلى سوريا.
هذه الفرضية دفعت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى توسيع عمليات البحث في الأراضي السورية، وصولاً إلى مقابر ومواقع مرتبطة بمخيم اليرموك في دمشق.
وكان البعد السياسي للملف واضحاً منذ البداية: فالجثامين لم تكن مجرد بقايا حرب، بل يمكن أن تتحول إلى أوراق تفاوضية في أي عملية تبادل أو تسوية مستقبلية.
فلدمان.. اختراق ثانٍ بعد أربعة عقود
في 11 أيار 2025، أعلنت إسرائيل استعادة رفات تسفي فلدمان، بعد نحو 43 عاماً على اختفائه ،وقالت الحكومة الإسرائيلية إن العملية جاءت نتيجة جهد استخباراتي طويل شارك فيه «الموساد» والجيش الإسرائيلي داخل سوريا، اعتماداً على معلومات تراكمت خلال سنوات من البحث والعمليات السرية.
استعادة فلدمان أعادت فتح ملف كاتس بصورة أكثر إلحاحاً ،فإذا كان اثنان من الأسماء الثلاثة قد عُثر على رفاتهما بعد عقود من البحث، فإن السؤال أصبح أكثر تحديداً: أين انتهى يهودا كاتس؟
وهنا لم يعد البحث مقتصراً على محاولة تحديد مكان قبر أو رفات، بل تحول إلى إعادة بناء سلسلة كاملة من الأحداث: من ساحة المعركة، إلى مواقع الدفن الأولية، إلى عمليات النقل المحتملة، ثم إلى الجهات التي كانت تملك المعلومات عن تلك التحركات.
سقوط االنظام السوري السابق.. متغير استخباراتي جديد
أضاف التحول الكبير في سوريا بعد سقوط النظام السوري السابق عاملاً جديداً إلى هذا الملف ،فبالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فتح تغير البيئة السياسية والأمنية السورية إمكانية الوصول إلى مصادر ومعلومات ووثائق وأشخاص كانت خارج متناولها خلال العقود السابقة.
وبحسب ما نُقل عن عائلة كاتس، فقد جرى التواصل مع رئيس الموساد لإعادة فحص الملف من بدايته، انطلاقاً من فرضية أن بعض المعطيات القديمة ربما تحتاج إلى إعادة تقييم في ضوء التطورات الجديدة.
وهذه النقطة مهمة استخباراتياً؛ لأن الملفات التي بقيت مغلقة لعقود لا تُحل دائماً من خلال معلومة واحدة، وإنما عبر إعادة تركيب الصورة من مصادر قديمة وجديدة بعد تغير البيئة التي أنتجت المعلومات الأصلية.
عملية النبي شيت.. هل ظهرت خيوط جديدة؟
في ليلة 6 ـ 7 آذار 2026، نفذت إسرائيل عملية إنزال في منطقة النبي شيت في البقاع.
وأعلنت إسرائيل أن العملية ارتبطت بمعلومات استخباراتية عن مكان محتمل لرفات الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد، الذي يشكل بدوره أحد أقدم الملفات المفتوحة في الذاكرة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.
لكن العملية لم تنتهِ بالعثور على آثار مرتبطة بأراد، وفق الإعلان الإسرائيلي اللاحق.
في المقابل، ظهرت تقارير تحدثت عن احتمال أن تكون القوة الإسرائيلية قد أخذت معها عينات أو رفات لإخضاعها للفحوص، وسط اشتباه بأن أحدها قد يكون مرتبطاً بيهودا كاتس.
وبغض النظر عن مدى دقة هذه التقارير، فإن مجرد ظهور هذا الاحتمال يكشف أن إسرائيل كانت تتحرك وفق أكثر من مسار استخباراتي في المنطقة، وأن عملية البحث لم تعد محصورة بملف رون أراد وحده.
كما أن العملية نفسها كانت ذات طابع عسكري واضح، إذ رافق الإنزال نشاط جوي واسع ووقعت مواجهات في المنطقة، ما يعكس طبيعة العمليات التي يمكن أن تنفذها إسرائيل عندما ترى أن معلومة استخباراتية بالغة الأهمية تستحق المخاطرة بعملية داخل العمق اللبناني.
لماذا قد يكون كاتس مفاجأة استخباراتية؟
هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في الملف ،إذا ثبت أن رفات يهودا كاتس عُثر عليها في منطقة أو ضمن مسار لا يتطابق مع الفرضية التي اعتمدتها إسرائيل طوال سنوات، فإن المسألة لن تكون مجرد العثور على مفقود ،ستكون هناك حاجة إلى إعادة النظر في خريطة حركة الجثامين بعد معركة السلطان يعقوب.
فإحدى الفرضيات الأساسية التي بُني عليها البحث الإسرائيلي كانت أن جثامين المفقودين انتقلت من لبنان إلى سوريا، وهو ما دفع إسرائيل إلى التركيز على الأراضي السورية، ولا سيما دمشق ومخيم اليرموك.
وتشير تحقيقات إسرائيلية إلى أن عناصر مرتبطة بمنظمة «الصاعقة» الفلسطينية تلقت في مرحلة معينة أوامر بنقل جثامين دُفنت بصورة أولية في لبنان إلى سوريا، في إطار احتمال استخدامها لاحقاً كورقة تفاوضية ،وهذا يعني أن سلسلة انتقال الجثامين قد تكون أكثر تعقيداً مما كان معروفاً.
ومن منظور استخباراتي، فإن العثور على كاتس في موقع غير متوقع ـ إذا تأكد ذلك ـ قد يشير إلى وجود مسار ثالث لم يكن في صدارة الفرضية الإسرائيلية، أو إلى أن عمليات النقل لم تكن موحدة بالنسبة إلى جميع الجثامين.
من زاوية عسكرية.. ماذا تقول قصة كاتس؟
قصة يهودا كاتس تكشف شيئاً أعمق من مأساة جندي فقد في معركة.
معركة السلطان يعقوب نفسها كانت نموذجاً لمخاطر العمل المدرع في بيئة عملياتية متداخلة، حيث يمكن أن يؤدي سوء تقدير انتشار الخصم، أو ضعف المعلومات الميدانية، أو الدخول في منطقة ذات كثافة نارية غير متوقعة، إلى تحول القوة المهاجمة خلال وقت قصير من قوة مناورة إلى قوة تسعى إلى النجاة والانسحاب.
لكن ما حدث بعد المعركة يقدم درساً آخر يتعلق بالاستخبارات فالمعركة تنتهي عندما تتوقف النار، لكن الملف الاستخباراتي قد يستمر لعقود.
فالمعلومة التي لم تكن متاحة عام 1982 قد تصبح قابلة للاكتشاف بعد أربعين عاماً، خصوصاً عندما تتغير الأنظمة، وتفتح الأرشيفات، ويتبدل الأشخاص، وتتغير السيطرة على الأرض.
وهذا يفسر لماذا ظلت إسرائيل تتعامل مع ملفات السلطان يعقوب باعتبارها ملفات عملياتية مفتوحة، وليست مجرد قضايا تاريخية.
المفاجأة الحقيقية ليست في الرفات فقط
إذا تأكدت هوية يهودا كاتس، فإن القيمة الاستخباراتية للحدث قد تتجاوز تحديد مصير جندي مفقود منذ عام 1982.
السؤال الأكثر أهمية سيكون: كيف وصل إلى المكان الذي عُثر فيه عليه؟ ومن نقل الرفات؟ ومتى جرى النقل؟ ومن كان يعلم به؟وهل كان المسار لبنانياً ـ سورياً كما افترضت إسرائيل، أم أن هناك مسارات أخرى؟وهل كانت الجثامين موزعة بين أكثر من جهة وموقع منذ الأيام الأولى للمعركة؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من عملية التعرف نفسها ،فالرفات تمنح إسرائيل إجابة عن «أين انتهى كاتس»، لكن التحقيق الاستخباراتي سيحاول الإجابة عن «كيف وصل إلى هناك ومن أخفى الحقيقة طوال هذه السنوات».
ومن هنا، فإن ملف يهودا كاتس، إذا حُسم، قد لا يكون خاتمة قصة السلطان يعقوب، بل بداية مرحلة جديدة من تفكيك واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية غموضاً في الحرب اللبنانية عام 1982.
فالزمن الذي أخفى الجواب لأكثر من أربعة عقود قد يكون، paradoxically، هو نفسه الذي راكم الأدلة اللازمة لكشفه.



