بقلم العميد بهاء حلال
في السابع من تشرين الأول 2023 لم تبدأ حرب جديدة في الشرق الأوسط فحسب، بل انكسر تصور استراتيجي كامل كان يفترض أن المنطقة تستطيع الاستمرار في إدارة الصراع الفلسطيني أمنياً، وأن التفوق العسكري الإسرائيلي قادر على ضبط الإيقاع الإقليمي. جاء الهجوم ليكشف هشاشة منظومة الردع، ثم جاء الرد الإسرائيلي واسعاً، فتحولت غزة من مسرح مواجهة إلى مركز جذب لصراعات متعددة، وأخذت تداعياتها تتوزع على لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، قبل أن تصل إلى البحر الأحمر والخليج وأسواق الطاقة. لذلك فإن قراءة ما بعد طوفان الأقصى لا ينبغي أن تبدأ من سؤال من ربح المعركة أو خسرها، بل من سؤال أعمق: ماذا فعلت الحرب ببنية الأمن الإقليمي وبالنظام الدولي؟
التحول الأول: من الجبهات المنفصلة إلى المسرح العملياتي المتصل
كان التحول الأول عسكرياً. فقد انتقلت المنطقة من نموذج الجبهات المنفصلة إلى نموذج المسرح العملياتي المتصل. غزة، جنوب لبنان، سوريا، العراق، اليمن وإيران لم تعد ملفات أمنية مستقلة؛ أصبحت حلقات في سلسلة ردع وتصعيد، تتبادل التأثير والرسائل والضربات. وأثبتت الحرب أن الصراع الحديث لا يحتاج دائماً إلى جيشين يتحركان على خط تماس واحد؛ فقد تستطيع مسيّرة، أو صاروخ بعيد المدى، أو عملية سيبرانية، أو تهديد للملاحة أن يفرض أثراً استراتيجياً يتجاوز حجمه العسكري المباشر. وهكذا برزت الحرب متعددة المجالات، حيث تتداخل القوة الجوية والصاروخية والمسيّرات والاستخبارات والفضاء السيبراني والإعلام والاقتصاد في عملية واحدة.
التحول الثاني: إعادة تعريف الردع
أما التحول الثاني فكان في مفهوم الردع. قبل 7 تشرين الأول كان الردع الإسرائيلي يقوم على التفوق النوعي، والإنذار المبكر، والقدرة على نقل الحرب إلى أرض الخصم. لكن الاختراق الأمني والعسكري الكبير أظهر أن التفوق التقني لا يلغي مفاجأة الحرب ولا يلغي قدرة الخصم الأضعف على إحداث صدمة استراتيجية. ثم جاءت الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران لتدفع المنطقة تدريجياً من حرب الظل وحرب الحلفاء إلى المواجهة المباشرة. وفي 2026 أصبح مضيق هرمز نفسه جزءاً من مسرح الصراع الأميركي الإيراني، مع آثار مباشرة على النفط والغاز والنقل العالمي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن اضطراب هرمز تسبب في واحدة من أكبر صدمات سوق النفط، وأن انخفاض حركة الناقلات رفع المخاطر على الاقتصاد العالمي.
التحول الثالث: لبنان ومسألة الدولة
التحول الثالث يتعلق بلبنان. فالجبهة اللبنانية لم تعد مجرد امتداد تكتيكي لحرب غزة، بل أصبحت جزءاً من معركة على شكل الدولة اللبنانية ودورها في الأمن الإقليمي. السؤال لم يعد فقط متى تتوقف المواجهة؟، بل من يملك قرار الحرب والسلم؟، ومن يفرض قواعد الاشتباك؟، ومن يضمن الانسحاب الإسرائيلي؟، ومن يملك القدرة على إعادة بناء السيادة؟ ولذلك أصبح لبنان في قلب النقاش حول مستقبل التوازن بين الدولة والقوى المسلحة، وحول الدور الدولي والإقليمي في الجنوب. وهذا يجعل أي تسوية لبنانية مقبلة أكبر من اتفاق أمني؛ إنها ستكون اختباراً لمفهوم الدولة في الشرق الأوسط الجديد.
سوريا والعراق: الجغرافيا كعقدة استراتيجية
في سوريا، كشفت الحرب أن الجغرافيا السورية لا تزال واحدة من أهم العقد الاستراتيجية في المشرق. فضعف المركز، وتعدد القوى المسلحة، والتنافس التركي والإيراني والإسرائيلي والروسي، جعل سوريا مساحة لإعادة توزيع النفوذ أكثر منها دولة قادرة على فرض معادلة أمنية مستقلة. وفي العراق، ظهر التحدي بصورة مختلفة: الدولة تمتلك موارد ومؤسسات، لكنها تقع بين محورين كبيرين، وتتعرض لضغط مستمر وكبير. وهنا تتضح مشكلة الشرق الأوسط: الحدود السياسية قائمة، لكن شبكات الأمن والنفوذ تتجاوزها.
اليمن: نقل الحرب من البر إلى البحر
أما اليمن، فقد نقل الحرب من البر إلى البحر. أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من معادلة الردع، وأصبح تهديد السفن قادراً على التأثير في سلاسل الإمداد وأسعار التأمين والطاقة. وفي أواخر أيلول 2026 كانت المخاوف من أمن باب المندب تتزايد مع اتساع نفوذ الحوثيين على الساحل وتصاعد التوتر مع السعودية، ما يؤكد أن الممرات البحرية باتت ساحات عمليات قائمة بذاتها.
النقلة الجيوسياسية الأهم: الصراع على الممرات
وهنا تظهر النقلة الجيوسياسية الأهم: الصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض، بل حول الممرات. هرمز وباب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط والبحر الأسود أصبحت عقداً استراتيجية، ومن يستطيع التأثير فيها يستطيع التأثير في التجارة والطاقة والاقتصاد من دون احتلال دولة كاملة. هذه هي إحدى سمات الحرب الحديثة: تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط، وتحويل الاعتماد المتبادل إلى سلاح.
الأثر الاقتصادي العالمي
ومن هنا وصل تأثير الحرب إلى الاقتصاد العالمي. فالعالم لا يشتري النفط من منطقة ويستهلكه فيها فقط؛ الطاقة سلعة عالمية، واضطراب طريق واحد يمكن أن يرفع كلفة الإنتاج والنقل والتأمين في مناطق بعيدة. وقد بينت دراسات حديثة أن الصدمات الجيوسياسية تدفع الدول إلى إعطاء أمن الطاقة أولوية أكبر من الكفاءة الاقتصادية، وتعيد توجيه سلاسل التجارة والعقود والاستثمارات.
خاتمة: حرب واحدة أم نظام جديد؟
يبقى السؤال معلقاً: هل ما يجري حرب واحدة متصلة الأطراف، أم أنه نظام عالمي جديد للصراع يتشكل أمام أعيننا؟ المؤشرات ترجح الاحتمال الثاني. فما بعد طوفان الأقصى لم يعد مجرد فصل جديد في الصراع العربي الإسرائيلي، بل تحوّل في قواعد اللعبة: مسارح متصلة، ردع متبادل، ممرات بحرية كأدوات حرب، واقتصاد عالمي يدفع الثمن. والسؤال لم يعد من ينتصر في الحرب، بل من يستطيع أولاً أن يفهم شكل النظام الجديد — ويصوغ استراتيجيته على أساسه.



