مقاربة استشرافية لمستقبل الصراع والردع..
عسكرة الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط
د.العميد بهاء حلّال
تشهد الساحة الدولية تحولا بنيويا غير مسبوق مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المنظومات العسكرية، وهو ما يمثل ثورة حقيقية في فلسفة إدارة الحروب وإنتاج القوة، تماما كما أحدث البارود والطيران والسلاح النووي تحولات جذرية في الفكر العسكري عبر العصور. ويؤسس هذا التطور لمرحلة جديدة تتراجع فيها مركزية الكتلة العسكرية التقليدية لصالح التفوق الخوارزمي والهيمنة المعلوماتية والقدرة على اتخاذ القرار بسرعة تفوق الإدراك البشري.
وتزداد أهمية هذه التحولات في منطقة الشرق الأوسط حيث تتداخل المنافسات الإقليمية مع التدخلات الدولية، وتتصاعد الحروب غير المتماثلة، وتتوسع مساحات الصراع الهجين. ولم تعد عسكرة الذكاء الاصطناعي خيارا تقنيا بل أصبحت محددا رئيسيا لإعادة تشكيل موازين القوى وأنماط الردع في الإقليم.
ولا تعني عسكرة الذكاء الاصطناعي مجرد إدخال الحواسيب إلى ميدان القتال، وإنما إعادة بناء دورة العمليات العسكرية بكاملها، بدءا من جمع المعلومات وتحليلها، مرورا بالتخطيط العملياتي، وانتهاء بتنفيذ الضربات وتقييم آثارها. وتستند هذه المقاربة إلى نظريات استراتيجية عدة، منها نظرية الثورة في الشؤون العسكرية التي ترى أن التكنولوجيا عندما تقترن بعقيدة قتالية جديدة وتنظيم عسكري متطور فإنها تعيد تعريف طبيعة الحرب نفسها، ونظرية الحرب المرتكزة على الشبكات التي تجعل التفوق المعلوماتي أساسا للتفوق العملياتي، ونظرية دورة القرار التي تؤكد أن الطرف الذي يختصر زمن الملاحظة والتوجيه والقرار والفعل يفرض إيقاع المعركة على خصمه، ونظرية الردع التي تؤكد أن التأثير في حسابات الخصم قد يكون أهم من استخدام القوة ذاتها. وفي هذا السياق يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتسريع القرار وتقليل الضبابية ورفع كفاءة استخدام القوة.
وأعادت التكنولوجيا تعريف مفهوم القوة العسكرية، فلم تعد القوة تقاس بعدد الفرق المدرعة أو الطائرات أو السفن، بل بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة العملياتية في الزمن الحقيقي وربط جميع مكونات القوة ضمن منظومة قيادة وسيطرة ذكية. وتبرز خمسة مجالات رئيسية لهذا التحول، أولها الاستخبارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات والصور والإشارات بسرعة تفوق القدرات البشرية، وثانيها القيادة والسيطرة الذكية التي تسمح بتحديث الخطط وإعادة توزيع الموارد بصورة آنية، وثالثها الأنظمة غير المأهولة برية وبحرية وجوية التي تقلل المخاطر على العنصر البشري، ورابعها الدفاعات الجوية متعددة الطبقات المعززة بالخوارزميات والقادرة على التعامل مع أسراب المسيرات والتهديدات المركبة، وخامسها الحرب السيبرانية والهجمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التي تستهدف البنية الرقمية والقيادية للخصم. وهذا يعني أن مركز الثقل العسكري ينتقل تدريجيا من المنصة القتالية إلى البيانات والخوارزميات.
وفي الشرق الأوسط لا تقتصر المنافسة على امتلاك السلاح، بل تشمل امتلاك القدرة على دمج الذكاء الاصطناعي في دورة العمليات العسكرية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التحولات إلى أربعة أنماط رئيسية، أولها انتقال الردع من الكمي إلى النوعي بحيث تصبح جودة المعلومات وسرعة القرار أكثر تأثيرا من حجم الترسانة، وثانيها تضاؤل الفجوة بين الدول الكبيرة والدول الأصغر القادرة على الاستثمار في التكنولوجيا مما يمنح بعض الفاعلين قدرات غير متناسبة مع حجمهم التقليدي، وثالثها تصاعد الحروب الهجينة التي تمزج بين العمليات العسكرية التقليدية والهجمات السيبرانية والعمليات النفسية واستخدام الطائرات المسيرة والحرب المعلوماتية ضمن حملة واحدة، ورابعها ازدياد أهمية البنية الرقمية باعتبارها هدفا استراتيجيا يعادل في أهميته القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية.
وتقوم نظريات الردع التقليدية على افتراض العقلانية وإمكانية إدراك الخصم لتكاليف التصعيد، إلا أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى منظومات القيادة والسيطرة يطرح إشكالية جديدة تتمثل في أن تسريع القرار قد يقلص الزمن المتاح للتقييم السياسي بما يزيد احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود. ومن جهة أخرى قد يعزز الذكاء الاصطناعي الردع إذا وفر إنذارا مبكرا أكثر دقة ورفع جودة الوعي بالموقف وحسن قدرة الدولة على إظهار جاهزيتها بصورة موثوقة. لذلك فإن أثر الذكاء الاصطناعي على الردع ليس أحادي الاتجاه بل يعتمد على كيفية دمجه في العقيدة العسكرية وآليات القيادة والسيطرة.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للمستقبل، يتمثل السيناريو الأول في سباق تسلح خوارزمي تصبح فيه السيطرة على البيانات والبرمجيات معيارا للتفوق مع تسارع الاستثمار في الأنظمة الذاتية والقدرات السيبرانية. أما السيناريو الثاني فيتمثل في ردع ذكي مستقر تستخدم فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنذار المبكر وتقليل الأخطاء وتعزيز إدارة الأزمات من دون خفض العتبة نحو الحرب. بينما يتمثل السيناريو الثالث في عدم الاستقرار الخوارزمي حيث يؤدي الاعتماد المفرط على الأنظمة الذاتية أو وقوع أخطاء في التقدير الآلي أو التلاعب بالبيانات إلى تصعيد سريع يتجاوز قدرة القيادات السياسية على الاحتواء.
إن عسكرة الذكاء الاصطناعي لا تمثل مجرد تحديث تقني للأدوات العسكرية، بل تؤسس لتحول عميق في فلسفة القوة وإدارة الصراع. وفي الشرق الأوسط حيث تتشابك التهديدات التقليدية وغير التقليدية، سيصبح التفوق الخوارزمي عنصرا محوريا في إعادة تشكيل موازين القوى وإعادة تعريف الردع وصياغة العقائد العسكرية المستقبلية. ومن المرجح أن يكون الفاعل الأكثر تأثيرا في العقود المقبلة ليس من يمتلك أكبر ترسانة من الأسلحة، بل من يستطيع دمج الذكاء الاصطناعي مع القيادة والسيطرة والاستخبارات والعمليات المشتركة ضمن منظومة قادرة على إنتاج قرار أسرع وأكثر دقة وأكثر قدرة على فرض الإرادة السياسية. وعليه فإن مستقبل التنافس الإقليمي لن يقاس بعدد المنصات القتالية وحدها، بل بمدى قدرة الدول على تحويل البيانات إلى قوة، والخوارزميات إلى ردع، والمعرفة إلى تفوق استراتيجي مستدام.


