مقالات

تحالف مكة: قراءة متعمقة في تحول استراتيجي يعيد تشكيل الأمن الإقليمي

د. العميد بهاء حلّال

في خضم مشهد سياسي تعجّ به المنطقة بالمتغيرات المتسارعة، ويشهد تصاعداً في حدة الصراعات وتآكلاً للمظلات الأمنية التقليدية التي اعتادت الدول الإقليمية أن تستند إليها لعقود طويلة، وُقّع في مدينة مكة المكرمة اتفاق الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية، ليأتي هذا التطور النوعي كأحد أبرز التحولات في البنية الأمنية الإقليمية منذ سنوات عديدة، ولينقل التعاون العسكري بين الدول الثلاث من مستوى التنسيق الثنائي التقليدي إلى إطار دفاعي ثلاثي مؤسسي يقوم على مبدأ الأمن الجماعي، مع تأكيد رسمي من الدول الثلاث على أنه تحالف دفاعي بحت لا يستهدف أي دولة بعينها، وأنه جاء استجابةً لتحديات أمنية متصاعدة تتطلب مقاربات جديدة تتجاوز القدرات الوطنية لكل دولة على حدة. غير أن هذا الاتفاق، الذي وُقّع في توقيت بالغ الدقة، لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الجيوسياسي المعقد الذي أحاط به، ولا يمكن اختزاله في مجرد ترتيب عسكري تقليدي، بل هو انعكاس لإدراك عميق لدى الدول الثلاث بأن البيئة الأمنية الإقليمية لم تعد تحتمل التنسيق الثنائي المحدود، وأن المخاطر المتصاعدة من جميع الاتجاهات تجعل من الضرورة بمكان بناء منظومة دفاعية مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات الآنية والمستقبلية.

 

ففي علم الجغرافيا السياسية، تنشأ التحالفات الدفاعية عندما تشعر الدول بأن البيئة الأمنية المحيطة بها قد أصبحت أكثر خطورة وأقل قابلية للتنبؤ، وهو ما ينطبق تماماً على الظروف التي أحاطت بتوقيع هذا الاتفاق التاريخي. فقد جاء هذا التحالف في ظل استمرار الحرب الإقليمية الأمريكية على إيران وما تخلفه من تداعيات متشعبة تطال أمن الملاحة في الخليج واستقرار دول الجوار، وفي وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على لبنان مع ما يرافقها من تبعات إنسانية وأمنية وسياسية تطال حدود الدول الأخرى وتهدد استقرارها، إلى جانب تصاعد التهديدات والمخاطر الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة في الصراعات الإقليمية، وهي أسلحة غير تقليدية تغير طبيعة الحروب وتجعل الحدود أكثر هشاشة واختراقاً مما كانت عليه في السابق. كما أن ارتفاع المخاطر المتأتية من التواجد العسكري الأمريكي الكثيف في القواعد المنتشرة في المنطقة يضيف بعداً آخر للتعقيد الأمني، حيث تتحول هذه القواعد في أوقات الأزمات إلى نقاط توتر وساحات مواجهة محتملة قد تجر الدول المجاورة إلى صراعات لا قبل لها بها. ولكن العامل الأكثر حسماً الذي دفع الدول الثلاث إلى هذا التقارب الأمني هو فقدان الثقة الكاملة بالمظلة الأمنية الأمريكية التي كانت تعتبر لسنوات طويلة الضامن الأساسي لأمن حلفائها في المنطقة، فبعد أن أثبتت التجارب المتلاحقة أن واشنطن لم تعد مستعدة للتدخل المباشر في كل أزمة، وأن سياستها الخارجية تخضع لتقلبات داخلية تجعل التزاماتها الأمنية غير مضمونة، أدركت الدول الثلاث أن الاعتماد على الخارج لم يعد خياراً استراتيجياً آمناً. ويضاف إلى هذه العوامل اتساع النفوذ الإسرائيلي وانكشاف مخططاتها التوسعية التي تروّج لها دوائر صنع القرار في تل أبيب تحت عناوين براقة كالشرق الأوسط الكبير أو الشرق الأوسط الجديد، وهي مخططات تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق أجندات لا تراعي مصالح الدول العربية والإسلامية، بل تسعى إلى تفتيتها وتقسيمها وتمزيق وحدتها الوطنية، مما جعل الدول الثلاث تشعر بضرورة بناء تحالف دفاعي يحمي مصالحها الوطنية ويمنحها قدرة على مواجهة التحديات المتوقعة التي لم تعد تكتيكية بل وجودية في بعض جوانبها.

 

وبالتالي، فإن هذا الاتفاق يمثل انتقالاً استراتيجياً مهماً من الاعتماد الكلي على الأمن الخارجي المتمثل في القوى الكبرى إلى بناء أمن إقليمي تقوده قوى الشرق الأوسط نفسها، وهو ما يعكس نضجاً في الفكر الاستراتيجي لدى الدول الثلاث وإدراكاً لحقيقة أن المصير الوطني لم يعد من الممكن تركه بين أيدي الآخرين، وأن التكتل الإقليمي هو السبيل الوحيد لبناء منظومة أمنية مستقلة قادرة على الردع والحماية في وجه التهديدات المتعددة المصادر والأشكال. ولعل هذا البعد الجيوسياسي هو الأكثر أهمية في قراءة مضمون الاتفاق، فهو يتجاوز كونه مجرد ترتيب عسكري تقليدي إلى كونه إعلاناً عن مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية تقوم على التكامل الأمني بين قوى إقليمية مؤثرة، تمتلك كل منها عناصر قوة متنوعة يمكن أن تشكل معاً ثقلاً استراتيجياً لا يستهان به، ويغير بشكل جذري معادلات القوة في المنطقة التي ظلت لسنوات خاضعة لتأثيرات خارجية أكثر مما هي خاضعة لإرادات داخلية.

 

من منظور استراتيجي عميق، يمكن تفسير اتفاق الدفاع المشترك بين الدول الثلاث عبر نظرية توازن القوى التي تعد من النظريات الأساسية في دراسة العلاقات الدولية والتحالفات الأمنية، حيث تدرك الدول الثلاث تمام الإدراك أن أياً منها منفرداً لا يستطيع تشكيل توازن استراتيجي كامل في وجه التحديات المتعددة التي تواجهها، لأن كل دولة تمتلك قدرات محدودة في جانب معين وتفتقر إلى جوانب أخرى، لكنها مجتمعة تجمع بين عناصر قوة متكاملة تجعل منها كتلة استراتيجية مؤثرة قادرة على إحداث توازن جديد في المنطقة. فالمملكة العربية السعودية تمتلك القوة المالية والاقتصادية الهائلة، فضلاً عن كونها تمثل محوراً للطاقة العالمية وتضم أهم المنشآت الحيوية في المنطقة، وتتمتع بعلاقات دولية واسعة ومكانة دينية وروحية تمنحها وزناً سياسياً ومعنوياً كبيرين، إلى جانب موقعها الجيوستراتيجي المطل على البحرين الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية. أما تركيا فتمتلك الصناعات الدفاعية المتطورة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة التي أثبتت فعاليتها المدمرة في النزاعات الحديثة وأصبحت تشكل عاملاً محورياً في الميزان العسكري الإقليمي، إلى جانب موقعها الجيوستراتيجي الذي يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وجيشها الذي يعد من أقوى جيوش المنطقة تدريباً وتسليحاً وخبرة قتالية متراكمة. وباكستان من جهتها تمتلك جيشاً كبيراً يتمتع بخبرة عملياتية واسعة اكتسبها من عقود من الصراعات والمواجهات، وقدرات نووية تجعلها عاملاً مؤثراً في أي معادلة أمنية إقليمية ولا يمكن تهميشها أو التغاضي عنها في أي حسابات استراتيجية، فضلاً عن موقعها الذي يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط ويمنحها دوراً جسرياً بين هذين الإقليمين الحيويين.

 

والملفت في هذا التكامل الاستراتيجي أن كل دولة تمتلك عنصراً يفتقده الشريكان الآخران، فالمال السعودي الهائل يحتاج إلى التكنولوجيا التركية المتطورة والخبرة العسكرية الباكستانية المتراكمة ليصبح قوة مؤثرة وليس مجرد ثروة معرضة للخطر، كما أن القوة النووية الباكستانية تجد في التحالف مع السعودية وتركيا عمقاً استراتيجياً وحماية سياسية ودعماً اقتصادياً يعزز مكانتها الدولية ويخفف عنها وطأة العزلة التي كثيراً ما عانت منها، والتكنولوجيا التركية المتقدمة تبحث عن أسواق وشراكات تمويلية واستراتيجية في قلب العالم العربي والإسلامي، وهي سوق كبيرة تتوق إلى هذه التكنولوجيا وتحتاج إليها بشدة في ظل تصاعد التهديدات التي تواجهها. وهكذا، فإن هذا التحالف الثلاثي لا يقوم على تقارب أيديولوجي بقدر ما يقوم على تقاطع المصالح الحيوية وتكامل القدرات الاستراتيجية، وهو ما يجعله أكثر متانة واستدامة من التحالفات التي تقوم على أسس عاطفية أو أيديولوجية مؤقتة قد تتغير بتغير الظروف والمواقف، بل إن هذا التكامل في المصالح يخلق نوعاً من الارتباط العضوي بين الدول الثلاث يجعل فك الارتباط مكلفاً لأي منها.

 

عسكرياً، يحقق اتفاق الدفاع المشترك بين الدول الثلاث عدة أهداف استراتيجية وعملياتية ذات أهمية قصوى، في مقدمتها تطوير القيادة والسيطرة المشتركة التي تتيح للدول الثلاث التنسيق الفعال في أوقات الأزمات وتوحيد الجهود العسكرية في ميادين القتال المحتملة، وتبادل المعلومات الاستخبارية التي تشكل عصب أي عمل عسكري ناجح وتمنح الدول الثلاث صورة استخباراتية متكاملة عن التهديدات التي تواجهها، وإجراء المناورات المشتركة التي تزيد من جاهزية القوات وتعزز التفاهم العملياتي بينها وتذيب الفروقات في العقائد القتالية والإجراءات العسكرية، والتكامل في الصناعات العسكرية الذي يمكن الدول الثلاث من تطوير قدراتها الدفاعية بشكل متسارع وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الخارجية التي قد تتعرض للعقوبات أو الحظر في أي لحظة، وأخيراً رفع مستوى الردع الجماعي الذي يجعل أي معتدٍ محتمل يفكر ملياً ومرات عديدة قبل أن يقدم على توجيه أي تهديد ضد أي من الدول الثلاث، لأنه يعلم أن تهديد إحداها يعني تهديد الدولتين الأخريين، وأن القوة التي سيواجهها لن تكون قوة دولة واحدة بل ثلاث دول متكاملة العناصر والقدرات. وبالتالي، فإن القوة الناتجة عن هذا التحالف ليست مجرد جمع حسابي لقدرات ثلاث دول، بل هي عملية مضاعفة حقيقية لتلك القدرات عبر التكامل والتنسيق والثقة المتبادلة، حيث يصبح الردع الجماعي أقوى بكثير من مجموع الردع الفردي لكل دولة، وهذا المبدأ الأساسي في تحالفات الأمن الجماعي يغير بشكل جذري حسابات المخاطر لدى أي جهة قد تفكر في توجيه تهديد لأي من الدول الثلاث، ويجعل المنطقة أكثر استقراراً في مواجهة المخاطر الخارجية.

 

ومن المهم هنا التوقف عند القراءة الأكاديمية لهذا الاتفاق من خلال عدسات النظريات المختلفة في العلاقات الدولية، حيث يمكن تفسيره عبر أكثر من مدرسة فكرية تقدم كل منها زاوية مختلفة لفهم أبعاد هذا التطور الأمني الهام. فمن منظور المدرسة الواقعية الكلاسيكية كما صاغها هانز مورغنثاو، نجد أن الدول تتحالف لأنها تبحث عن القوة والبقاء في نظام دولي فوضوي لا يحكمه قانون أسمى، وليس لأنها تشعر بتقارب أيديولوجي أو عاطفي مع بعضها البعض، وهذا ما ينطبق تماماً على تحالف الدول الثلاث الذي يقوم على المصالح الحيوية والبقاء في بيئة إقليمية شديدة الخطورة. أما الواقعية البنيوية كما صاغها كينيث والتز فترى أن اختلال ميزان القوى في أي منطقة يولد بالضرورة تحالفات جديدة لإعادة التوازن، وهذا ما يحدث تماماً في الشرق الأوسط حيث تزايد النفوذ الإسرائيلي وتضاؤل الثقة بالضامن الخارجي خلقت فراغاً أمنياً يسعى التحالف الثلاثي لملئه وإعادة التوازن إلى المنطقة. وتضيف نظرية التحالفات لستيفن والت بعداً آخر بقولها إن الدول لا تتحالف ضد الأقوى فقط، بل تتحد ضد مصدر التهديد الأكبر مهما كان نوعه عسكرياً أو سياسياً، وهو ما يفسر توجه الدول الثلاث نحو التحالف في مواجهة تهديدات متعددة المصادر تأتي من أكثر من جهة وبأكثر من شكل. فيما تربط نظرية الأمن الإقليمي لبارري بوزان بين مصائر الدول في منظومة إقليمية مترابطة، مشيرة إلى أن أمن السعودية وتركيا وباكستان بات متداخلاً بشكل لم يسبق له مثيل، وأن أي تهديد لأمن إحداها سينعكس حتماً على أمن الأخريين، مما يجعل التعاون الدفاعي بينها ليس مجرد خيار استراتيجي بل ضرورة وجودية في ظل التحولات الراهنة.

 

ورغم التوكيدات الرسمية المتكررة بأن هذا الاتفاق ليس موجهاً ضد أي دولة بعينها، وأنه تحالف دفاعي بحت يهدف إلى حماية أمن الدول الثلاث فقط، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً في الأوساط السياسية والعسكرية يتعلق بمن قد يشعر بأنه المستهدف ضمنياً من هذا التكتل الدفاعي الجديد، ومن ستضطر إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية في ضوء هذا التحالف. فمن الناحية العملية، ووفق قراءة استراتيجية معمقة للسياق الإقليمي، يبدو أن التحالف يسعى إلى تحقيق توازن متعدد الأوجه في آن واحد، فهو يهدف إلى ردع أي تهديد إسرائيلي مباشر أو غير مباشر، خصوصاً في مناطق الخليج والبحر الأحمر التي شهدت مؤخراً خطوات إسرائيلية استفزازية كالاعتراف بمنطقة صوماليلاند التي تعتبرها إسرائيل موقعاً استراتيجياً للتواجد العسكري والسيطرة على الملاحة في البحر الأحمر، كما يوفر مظلة دفاعية في مواجهة أخطار إقليمية متغيرة لا يمكن التنبؤ بها في ظل انهيارات الدول وتنامي الجماعات المسلحة وانتشار الأسلحة غير التقليدية، ويمنح الدول الثلاث قدرة تفاوضية أكبر في تعاملها مع القوى الكبرى التي اعتادت أن تلعب دور الحكم الأوحد في ملفات المنطقة وترسم خرائط النفوذ وفقاً لمصالحها دون مراعاة المصالح الوطنية للدول الإقليمية. أما إسرائيل، التي تعتبر أن موقف واشنطن الراعي الأساسي لهذا الاتفاق يمنحها قدراً من الطمأنينة بأن التحالف لن يتحول إلى تهديد وجودي ضدها، فقد لا ترى في البداية خطراً وجودياً مباشراً في هذا التكتل، لأن السعودية مرتبطة بمصالح إقليمية ودولية معقدة تجعل تحويل هذا الترتيب الدفاعي إلى تحالف هجومي ضدها أمراً بالغ الصعوبة، ولأن العلاقات بين السعودية وإسرائيل تشهد تقارباً تدريجياً في السنوات الأخيرة برعاية أميركية. غير أن هذا الاتفاق مع ذلك سيُلزم إسرائيل بأخذ هذا التكتل الجديد في حساباتها العسكرية والسياسية والاستراتيجية، مما يعني أن معادلاتها الأمنية الداخلية ستشهد تغيراً في تقدير التهديدات، وأن خططها التوسعية في المنطقة قد تواجه من الآن فصاعداً حسابات أكثر تعقيداً من تلك التي اعتادتها في العقود الماضية، حيث لم تعد تواجه دولاً منفردة بل تكتلاً متكاملاً يتمتع بقدرات متنوعة تغطي مختلف جوانب القوة.

 

وعند الحديث عن المستفيدين من هذا الترتيب الأمني الطموح، نجد أن المكاسب تتوزع بشكل متوازن بين الأطراف الثلاثة، فالسعودية تحصل على عمق عسكري واستراتيجي لم يكن متاحاً لها من قبل، وتقلل اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة التي أثبتت أنها ليست حاضرة دائماً بالشكل المطلوب، وتؤمن حماية معززة لمنشآتها الحيوية التي كانت هدفاً لاعتداءات سابقة أصابت قطاعها النفطي وأثرت على اقتصادها، وتكسب شراكات عسكرية مع دول تمتلك تكنولوجيا متطورة وقدرات قتالية متراكمة. وتركيا من جهتها توسع نفوذها في منطقة الخليج التي تمثل امتداداً طبيعياً لدورها الإقليمي، وتفتح أسواقاً جديدة لصناعاتها الدفاعية المتطورة التي تبحث عن زبائن دائمين وأسواق مستقرة، وتعزز موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تهميشها في أي معادلة جديدة، وتؤمن دعماً اقتصادياً وسياسياً من دولتين عريقتين في قلب العالمين العربي والإسلامي. وباكستان، التي كثيراً ما عانت من العزلة الدولية وعدم الاستقرار الاقتصادي والضغوط الخارجية، تستفيد اقتصادياً واستراتيجياً من هذا الربط الأمني مع دولتين غنيتين وقويتين، وتكرس دورها كضامن أمني إقليمي ومقدم للخبرات العسكرية، وتعزز مكانتها الدولية في المحافل التي كانت تنظر إليها بعين الشك والريبة، وتكتسب عمقاً استراتيجياً في منطقة تمثل لها أهمية حيوية. وهكذا، في هذا المثلث الاستراتيجي، لا وجود لرابح وحيد أو دولة مستفيدة على حساب الأخريات، بل هي عملية تبادل متكافئة للمزايا تخدم المصالح الوطنية لكل دولة على حدة وتعزز أمن المنطقة ككل: المال السعودي يقابل التكنولوجيا التركية التي تقابلها القدرة العسكرية الباكستانية، في دائرة من المنافع المتبادلة تجعل من الصعب تحديد جهة بعينها باعتبارها المستفيد الأكبر، بل الكل رابح في هذه المعادلة المتكاملة.

 

يبقى الدور الأميركي في هذه المعادلة محورياً ولا يمكن تجاوزه في أي قراءة استراتيجية للاتفاق، ورغم أن الاتفاق يعكس رغبة صريحة في بناء قدرة دفاعية إقليمية موازية للمظلة الأميركية، فإنه لا يعني بالضرورة خروج الدول الثلاث من شراكتها التاريخية مع واشنطن، بل يمكن قراءته كخطوة ذكية في اتجاه تنويع الضمانات الأمنية، والتأمين ضد أي تقلبات محتملة في السياسة الأميركية التي أثبتت أنها تخضع لتغيرات كبيرة بتغير الإدارات والأحزاب الحاكمة، وذلك في ظل الشكوك المتزايدة حول مدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل المباشر في كل أزمة مستقبلية، خاصة بعدما أثبتت السنوات الأخيرة أن واشنطن أصبحت أكثر تردداً في الانخراط العسكري المباشر في المنطقة وأكثر ميلاً للاكتفاء بالدعم اللوجستي والاستخباراتي. فالاتفاق لا يعني التخلي عن التحالف مع أميركا، بل يعني بناء شبكة أمان إضافية تحمي الدول الثلاث في حال تعثرت أو تأخرت المظلة الأميركية عن القيام بواجبها، وهو ما يمنح الدول الثلاث مرونة استراتيجية أكبر في التعامل مع التهديدات دون أن تكون رهينة لمواقف واشنطن المتقلبة. وإذا استمر هذا الاتفاق في التطور نحو منظومة عمليات مشتركة وصناعة دفاعية متكاملة وقواعد عسكرية مشتركة، فقد يصبح بحق أحد أهم التحولات في الأمن الإقليمي منذ عقود، ليس لأنه يعلن مواجهة مفتوحة مع أي دولة بعينها، بل لأنه يؤسس لمركز ثقل استراتيجي جديد يمنح الدول الثلاث أدوات ردع وتأثير وتفاوض لم تكن بحوزتها من قبل، ويخلق واقعاً أمنياً جديداً تفرضه قوى المنطقة بنفسها بدلاً من أن تفرضه قوى خارجية عليها.

 

غير أن نجاح هذا المشروع الطموح سيبقى مرهوناً بعدة عوامل حاسمة، يأتي في مقدمتها مستوى الالتزام السياسي والعسكري الحقيقي بين أعضائه، فالاتفاقات الورقية لا تصنع تحالفات قوية، بل تحتاج إلى إرادات سياسية صلبة وتخصيص موارد حقيقية وتدريبات عملية مشتركة وآليات فعالة لحل الخلافات، وإلا تحولت إلى مجرد بيانات نوايا دون تأثير فعلي على الأرض. كما أن نجاح الاتفاق سيعتمد على كيفية تفاعل القوى الخارجية الفاعلة، وتحديداً إسرائيل والولايات المتحدة، مع هذا الترتيب الأمني الجديد، فإذا نظرت إليه واشنطن بعين الارتياب واعتبرته تهديداً لنفوذها في المنطقة، فقد تسعى إلى عرقلته أو تقويضه بوسائل سياسية واقتصادية وعسكرية، وإذا نظرت إليه إسرائيل كخطر استراتيجي حقيقي، فقد تسعى إلى كسر هذا التحالف عبر ضرب أطرافه أو إثارة النزاعات بينهم بطرق غير مباشرة، وهو ما يتطلب من الدول الثلاث حنكة سياسية عالية لمواجهة هذه الضغوط المحتملة. وفي هذا السياق، تستحضر الأذهان تصريحات نتنياهو السابقة التي أعلن فيها عزمه القضاء على المحور الشيعي المتهالك، ومعه القضاء على أي محاولة لإعادة تشكيل محور سني متشدد، وهو ما يمكن فهمه على أنه استهداف واضح لجميع القوى الإقليمية الفاعلة التي تسعى إلى بناء منظومات أمنية مستقلة: استهداف لباكستان بقدراتها النووية، وللسعودية بقدرتها المالية وثقلها السياسي والديني، ولتركيا بقدرتها العسكرية والتكنولوجية، بل وحتى لمصر بقدراتها البشرية والعسكرية التي تمثل ثقلاً طبيعياً في المنطقة. وفي خضم هذه التحولات الدراماتيكية، يظل اتفاق إيران مع هذه الدول على أن الخطر القادم من الإسرائيلي هو خطر داهم ووجودي، قادراً على إعادة رسم موازين البيئة الأمنية في الشرق الأوسط برمتها، وإحداث زلزال استراتيجي قد تطول تداعياته لعقود قادمة، ويخلق تحالفات جديدة غير متوقعة، ويفتح ملفات كانت مغلقة، ويغلق ملفات كانت مفتوحة، في مشهد سياسي مازال يتشكل ويتطور أمام أعيننا دون أن نعرف على وجه الدقة كيف سيكون شكله النهائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى